حسن الأمين

42

مستدركات أعيان الشيعة

حقيقي واحد هو الخطر العثماني . فاقتنع قانصوه الغوري بهذا المنطق ووقف الاعداد للحرب ، بل وافق على أن يساند الشاه إسماعيل إذا تعرض للخطر العثماني ، وهو ما حصل بعد ذلك . وهكذا استقبل الوفد الصفوي العائد من مصر في دمشق استقبالا حكوميا وديا فتلقاه النائب وأرباب الوظائف على حد تعبير صاحب كتاب ( إعلام الورى ) مرحبين به . وإذا كان الاستقبال الحكومي وديا فان استقبال ابن طولون لم يكن كذلك فقد ظل يصر على إطلاق وصف ( الخارجي ) على الشاه إسماعيل . وفي هذا الذي ذكره صاحب ( الاعلام ) شيء آخر مهم جدا لم يكن معروفا بين من يؤرخون لتلك الأيام وهو إرسال وفد صفوي بهذا العدد وهذا المستوي ليتولى المفاوضات السلمية بين الطرفين . وكل ما كان يذكر في هذا الموضوع هو ان مراسلات كانت تدور ، وكان يذكر ذلك بصورة مبهمة غامضة . وقد تجلت الآن الأمور على هذا الوجه الواضح الذي أعلنه ابن طولون فيما أنبأنا به في يومياته الدمشقية . وهنا لا بد لنا من التساؤل عن الطريق الذي سلكه الوفد الصفوي في ذهابه من إيران إلى مصر . أما عن طريق العودة فقد عرفنا من يوميات ( الاعلام ) انه كان مرورا ببلاد الشام ووصولا إلى دمشق ومنها بالطبع إلى العراق فإيران . ومروره ببلاد الشام كان لأنها أصبحت بلادا غير معادية ، فمر بها مرورا علنيا مرحبا به ومستقبلا استقبالا فيه كل الود . وحين نتساءل عن طريق الذهاب ، فإنه لا يكون أمامنا واضحا إلا طريق المرحلة الأولى ، وهو طريق العراق مرورا ببغداد ، وهو الطريق الطبيعي المستقيم لمن يود الوصول إلى مصر على مراحل متباعدة . والعراق كان يوم ذاك بحكم أخوال الشاه إسماعيل ملوك القطيع الأبيض ( آق قويونلو ) ، وهم وإن كانوا يخالفونه في المذهب ، فلم يكونوا في ذلك الوقت في عداء معه ، لذلك فان وفده حين يمر في العراق يمر في بلاد غير معادية مما يسهل مهمته . ويبقى أمامنا طريق ما بعد العراق . والطبيعي في هذه الحالة أن يكون طريق بلاد الشام ، ولكن بلاد الشام كانت معادية كما رأينا ، مثلها مثل بلاد العثمانيين ، فكيف تسنى للوفد الصفوي الوصول إلى مصر وهو بهذه الكثرة العددية الواضحة ؟ ذلك ما لم يشر إليه ابن طولون ، لأن الإشارة إليه ليست من مهمة يومياته المنصبة في الأصل على التاريخ لولاة دمشق . ومن الطبيعي أن لا أحد غيره قد أشار إلى ذلك . ومما يلفت النظر ويشير إلى أن مفاوضات قد جرت بين قانصوه الغوري وبين السلطان سليم بعد معركة جالديران وانتصار سليم على الشاه عباس على ما ذكره ابن طولون وهو يذكر أحداث شهر ربيع الأول سنة 920 حيث قال : « وحضر القاصد الذي كان أرسله قانصوه الغوري إلى سلطان الروم المظفر سليم خان بن عثمان وعاد وجماعته » . وفي ذلك ما يجعلنا نستنتج ان الغوري قد أرسل وفدا إلى السلطان سليم لتهنئته بالنصر ومحاولة إزالة ما كان قد علق بنفسه من النقمة على الغوري لما عرفه السلطان سليم من معاونات ذات أثر فعال قدمها الغوري للشاه إسماعيل كان أعظمها قطعه طرق مواصلات الجيش العثماني بحيث حرمه من تلقي ما كان ينتظره من وصول قوافل المؤن إلى تبريز مما منع السلطان سليم من قطف ثمرة نصره الحاسم واضطره للجلاء عن تبريز وعدم مطاردة الشاه إسماعيل المنهزم والقضاء على دولته قضاء نهائيا ، وهذا ما كان يهدف إليه السلطان سليم من زحفه على معاقل الشاه إسماعيل . وهكذا عاد نصر جالديران وكأنه لم يكن واستطاع إسماعيل ترميم جيشه واستعادة قوته والسير قدما في تأسيس الدولة الشيعية القوية . ونحن لا ندري شيئا من تفاصيل ما جرى للوفد المماليكي في العاصمة العثمانية ، ولا عما قوبل به هناك ، ولا عن المعاملة التي عومل بها . وإن كنا نعلم علم اليقين بأنه فشل في مهمته . . . وابن طولون الذي يعيش في الحكم المماليكي ، وتحت سيادة الغوري ، لا يخفي اعتزازه بالنصر العثماني حيث يذكر في إيراد الخبر العبارة الآتية : ( سلطان الروم المظفر ) . وقد كان بين النصر العثماني في جالديران وبين وصول وفد الغوري إلى دمشق عائدا من مقابلة السلطان سليم : شهران ، فمعركة جالديران كانت في 22 المحرم سنة 920 ( 19 آذار سنة 1514 م ) ، ووصول الوفد إلى دمشق كان في 17 ربيع الأول سنة 920 . ويتابع ابن طولون سرد يومياته واصلا إلى 17 رجب سنة 920 فيقول : شاع أن قاصد الملك سليم خان بن عثمان ملك الروم وصل إلى دمشق وأخبر بان أستاذه انتصر على الخارجي إسماعيل بن حيدر الصوفي وقتل من عسكره أكثر مما قتل من عسكر ملك الروم بكثير وإنه ملك ( توريز ) العجم ففرح الناس بذلك . وفي هذا يتبين لنا ان السلطان سليم أراد أن ينشر خبر انتصاره لا في بلاده وحدها بل في البلاد المجاورة لبلاده ، فأوفد الرسل تحمل الخبر من بلد إلى بلد فوصل ( قاصده ) إلى دمشق بعد مرور ستة أشهر على معركة جالديران . ونحسب ان هذا التأخير ناجم عن أن الرسول لم يقصد دمشق رأسا ، بل إن مهمته كانت تقتضي التنقل من مدينة إلى مدينة مما أعاق وصوله إلى دمشق ، فلم يصلها إلا بعد ستة أشهر . وقد صور لنا ابن طولون حقيقة شعور الناس تجاه النصر العثماني والهزيمة الصفوية بقوله : « ففرح الناس بذلك » . وإذا كان ابن طولون قد وصف الشاه إسماعيل بصفة الخارجي وهو لا يزال منتصرا ، فمن الطبيعي أن يعود فيصفه بهذه الصفة وهو يذيع خبر هزيمته . وكما قلنا من قبل عن معلومات ابن طولون الجغرافية ، أنها واهية ، نقول الآن ، فهو يصحف اسم تبريز إلى ( توريز ) . السيد إسماعيل بن كاظم بن مير محمد مقيم الحسيني الرامسري التنكابني : ولد في 1232 أو 1233 في رامسر توفي بعد 1306 في رامسر . تعلم في رامسر القراءة والكتابة والمقدمات ثم أخذ الفقه والأصول والفلسفة عن السيد محمد هاشم الحسيني ثم ذهب إلى قزوين فتابع فيها الدراسة ، وبعد ذلك هاجر إلى العراق فحضر في كربلاء عند السيد إبراهيم صاحب الضوابط وفي حدود سنة 1260 ذهب إلى النجف الأشرف فحضر بحث الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر والشيخ مرتضى الأنصاري والشيخ محمد حسين الكاظمي والشيخ علي كاشف الغطاء والشيخ حسن كاشف الغطاء . وفي حدود سنة 1270 رجع إلى موطنه رامسر [ منشغلا ] مشتغلا بالتدريس والتأليف وقضاء حوائج الناس إلى أن توفي بها وخلف ولده السيد محمد كاظم ومن